Ad
مواطنون يغرقون في وحل القروض الاستهلاكية ويواجهون السجن!
بتاريخ 2018-11-4- تاريخ التحديث الأخير 2018-11-4
newsGallery-15413615518011.jpeg

صورة توضيحية-شرطي يتواجد أمام أحد فروع بنك فلسطين في غزة-تصوير رويترز

غزة-الأيام-محمد الجمل-أثرت الأزمات الاقتصادية المتواصلة على مجمل حياة المواطنين في قطاع غزة، ورفعت بشكل كبير مديونيات التجار والمواطنين.

ومع تواصل هذه الأزمة طفت على السطح ظواهر اقتصادية جديدة لم تكن معروفة، أبرزها ما بات يسمى "قرض التكييش" أو "القروض الاستهلاكية"، وهي طريقة مبتكرة للحصول على السيولة النقدية، عبر شراء جهاز أو مركبة عن طريق التقسيط، وإعادة بيعه في نفس اللحظة إلى تاجر آخر، بأقل من قيمته، للحصول على المال، بشكل سريع، لكن هذا السلوك له أضرار على الفرد والحركة التجارية بشكل عام.

الدفع أو السجن!
فقد توجه الأربعيني الغزي أحمد زكريا، "اسم مستعار"، إلى محكمة البداية "الصلح" جنوب قطاع غزة، بعد تلقيه إخطاراً بوجوب دفع مبلغ 900 شيكل، كدفعات شهرية لأجهزة كهربائية اشتراها بالتقسيط من أحد الباعة.

وبموجب الإخطار على زكريا دفع القسط الشهري الحالي وقيمته 300 شيكل، إضافة إلى قسطين متأخرين قيمتهما 600 شيكل، وإلا سيواجه قراراً بالحبس، موضحاً أنه كان اضطر لشراء جهازين كهربائيين بقيمة 2700 شيكل، على أن يقسط ثمنهما على تسعة شهور.

لكن زكريا أقر بأنه لم يستفد من الجهازين، وباعهما مقابل 2100 شيكل في نفس اليوم الذي تسلمهما فيه، وكان بحاجة ماسة للمال من أجل دفع إيجار شقته المتراكم، حتى لا يتم طرده منها، وكان ينوي سداد الأقساط، غير أن لم يتمكن من السداد، وها هو على وشك دخول السجن في حال لم يتمكن من إرضاء التاجر.

وبلغ عدد إخطارات التنفيذ الصادرة عن محاكم الصلح الخمس المنتشرة في قطاع غزة، والتي تطالب مديونين بسداد المبالغ المستحقة عليهم لصالح تجار، 26.650 بلاغا وإخطارا حتى بداية شهر تشرين الأول من العام 2018، أعلاها في محافظة غزة 8300 إخطار، وأقلها في المحافظة الوسطى 3220 إخطار تنفيذ.

قروض "التكييش"
وحذر الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الله أبو الهنود المحاضر بالكلية العربية للعلوم التطبيقية بغزة، من مخاطر ما سماه انتشار ظاهرة "التكييش"، وهي مأخوذة من المصطلح الإنجليزي "Cash" وتعني نقداً.

وبحسب أبو الهنود فقد بدأت الظاهرة تنتشر بصورة كبيرة في قطاع غزة خلال العامين الماضيين، ونتجت عن قلة السيولة النقدية في أيدي الأفراد والتجار، وهؤلاء يسعون لامتلاك الأموال لتسيير أمورهم الحياتية والتجارية، فيلجؤون لما بات يسمى "القروض الاستهلاكية".

وتحدث أبو الهنود عن الآثار الكارثية التي تصيب السوق بأكملها نتيجة هذه الظاهرة، خاصة أن بعض التجار يسعون للحصول على السيولة النقدية بطرق أخرى، أبرزها شراء مئات الأصناف من سلعة معينة بوساطة شيكات بنكية، ويطرحونها في السوق بأقل من قيمتها الحقيقية لبيعها سريعاً والحصول على السيولة النقدية، رغم أن ذلك يتسبب لهم بخسارة، لكن في المقابل يحدث حرق للأسعار، ويصبح هناك سعران للسلعة، ويلحق أذى كبير بباقي التجار قد يتسبب في إفلاس بعضهم.

إضرار بالأسواق
ويقول محمد عوض الله، مالك معرض أجهزة الكترونية وكهربائية بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، إن الشراء من خلال الأقساط وبيع السلعة بعد ذلك، تسبب في مشاكل مضاعفة للتاجر وأضر بالسوق بشكل عام.

وأوضح أن معظم من اشتروا سلعاً بهذه الطريقة باعوها بثمن أقل بكثير من قيمتها، وخلقوا مشكلة في السوق، وغالبيتهم لم يلتزموا بالسداد، وهذا أجبر التجار على التوجه للمحكمة للمطالبة بحقوقهم.

وحسب عوض الله فقد بدأ التجار بالتنبه لذلك واستحدثوا أمرين في عملية البيع من خلال القسط تضمن حقوقهم، الأول الطلب من البائع دفعة مالية تتراوح ما بين 30-50% من قيمة السلعة، وهذا اختبار حقيقي لمعرفة جديته في عملية الشراء، وهل هو فعلا يحتاج للسلعة أو بحاجة للمال وينوي بيعها.

أما الأمر الثاني بحسب عوض الله فهو الشراء من خلال المصارف أو مؤسسات إقراض، حيث تتولى هذه المؤسسات تحصيل الأقساط من المشتري، مع ضمان وصول حقوق التاجر إليه، وهو ما طابقه التاجر عادل أبو هلال الذي أكد أنه لجأ لتقنين التقسيط، والبيع لأشخاص موثوقين فقط، أو عبر مؤسسات مالية وسيطة، لكن المشكلة مازالت قائمة مع وجود آلاف المشترين لم يسددوا ما عليهم.

ورغم ذلك أكد عوض الله استمرار البيع بالطريقة القديمة، فالتجار يجبرون على ذلك لتسويق بضائعهم المكدسة في المحال، حتى وإن كانوا غير واثقين من صدق الزبون بسدادها.

بينما يقول أبو هلال: في كثير من الأحيان نتفاجأ بوجود سلع في السوق تباع بأقل من ثمنها بسعر الجملة، ويكون هناك فارق في الأسعار، ما يجبر الباعة على خفض السعر والبيع بخسارة، عدا سياسة الإغراق التي يحدثها هذا التصرف التجاري غير المراقب، ما يزيد من العرض على الطلب.

تعذر السداد
أما أيمن عبد الحميد، فأكد أنه لم يتمكن من تسديد الأقساط المتراكمة عليه، وفوجئ بإخطار من المحكمة يطالبه بالدفع أو الحبس، فتوجه للتاجر في محاولة لإقناعه بتأجيل الأقساط أو خفض قيمة القسط الشهري، لكنه رفض ذلك وأصر على الدفع، وهو لا يعلم كيف يمكن أن يتدبر أموره.

وأشار إلى أنه اشترى ثلاجة عن طريق القسط الشهري، وباعها في نفس اليوم لاحتياجه الشديد للنقود، وكان ينوي تقسيط ثمنها، فدفع قسطين ولم يستطع دفع باقي الأقساط، فبعد خفض قيمة الرواتب أصبح لا يتقاضى سوى "1100 شيكل" ومازال يحاول في أكثر من اتجاه عله يتلاشى السجن.

فيما وصف الدكتور أبو الهنود ظاهرة "التكييش" بالإدمان، فالشخص يتوجه إلى متجر أو مؤسسة إقراض، كي يشتري جهازاً كهربائياً أو هاتفاً نقالاً، ينوي بيعه لاحقاً من أجل الحصول على المال، وعند إتمام العملية يجب عليه دفع قسط شهري تحدد قيمته قبل الشراء، ويوقع على كمبيالات، لكن هذا الشخص يكرر العملية في كل مرة يحتاج فيها لسيولة نقدية، وفي غضون أشهر معدودة يجد نفسه قد وقع في شرك الكمبيالات والأقساط وأصبح عاجزاً عن الدفع، لأنه أساساً يعاني من مأزق مادي، ودخله لا يكفي متطلبات حياته، لذلك لا يكون أمامه مكان سوى السجن.

اللجوء للقضاء
ويقول التاجر أبو هلال إن إحجام المشترين عن تسديد قيمة الأقساط الشهرية لسلع اشتروها ارتفع إلى أكثر من 80% منذ خفض رواتب الموظفين، مبينا أن التجار يعانون ويترددون على المحاكم مرات عديدة في كل أسبوع في محاولة للحصول على حقوقهم.

وبحسب أبو هلال الذي لديه عشرات الزبائن لم يدفعوا الأقساط، يصبر التاجر مدة على المشتري لسداد قيمة القسط أو الأقساط المتراكمة عليه، ثم يتصل به هاتفياً مرة ومرتين ويعطيه أكثر من فرصة، بعد ذلك تدخل مرحلة الوساطات، بالحديث إلى مقربين من المشتري لحثه على الدفع، ثم تأتي آخر مرحلة وهي اللجوء للقانون.

وأوضح أن الإجراء الأول بتوجه التاجر للمحكمة وتقديم الكمبيالات التي وقع عليها المشتري، وهنا تعطي المحكمة الشخص مهلة أسبوع عبر إخطار رسمي يرسل له، مستدركا أن أكثر من 60% من المتأخرين يسارعون إلى الدفع عند وصول الأخطار لهم، خشية السجن، ومن يتخلف يتم استصدار أمر حبس بحقه، ويوضع في السجن المدة التي حددها القانون، حيث أوضح الدكتور تامر القاضي أستاذ القانون الجنائي بكلية القانون بجامعة فلسطين بغزة، أن الذمم المالية تعتبر من الحقوق التي توجب الحبس في حال لم تسدد، موضحاً أن المحكمة تخطر الشخص بضرورة السداد، وفي حال لم يفعل يصدر أمر حبس ضده إما 21 يوما في حال تأخر عن سداد قسط واحد من مجموع أقساط "أقل من 500 دينار"، أو 91 يوماً للمبلغ الكلي المتراكم، لكنه أشار إلى أنه وفق القانون لا يجوز حبس المتهم على الذمة المالية أكثر من 91 يوماً خلال العام، فبعد قضاء تلك المدة يخلى سبيله، وفي العام المقبل يقدم صاحب الحق طلباً آخر لتجديد الحبس 91 يوماً أخرى.

وينص البند الأول من المادة 157 من قانون التنفيذ الفلسطيني رقم (23) لسنة 2005م على "لا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس تنفيذاً لأي قرار يصدره قاضي التنفيذ عن (91) يوماً، وأن لا يتجاوز مجموع مدد الحبس عن (91) يوماً في السنة الواحدة مهما بلغ الدين أو تعددت الديون".

فيما ينص البند الثاني من نفس المادة: "لا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس عن (21) يوماً إذا كان المبلغ المحكوم به لا يتجاوز خمسمائة دينار، وإذا تقرر تقسيط الدين المحكوم به فلا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس (21) يوماً عن كل قسط يتخلف المدين عن دفعه".

وأقر الغزي أيمن مصطفى، بوقوعه في شرك الأقساط، إذ يؤكد أن العملية كانت سهلة في البداية، توقيع على عدد من الكمبيالات واستلام جهاز كهربائي من معرض أو محل ثم بيعه في محل آخر، والحصول على المال.

وأكد أنه في عام واحد وصله سبع إخطارات من تجار بضرورة تسديد ذمم مالية مستحقة، واستطاع إرضاء ثلاثة منهم، لكنه لم يستطع الدفع للباقين، فصدر أمر حبس بحقه لمدة 91 يوماً، وقضاه أوساط العام الحالي، وخرج، وإذا لم يدفع المبالغ المتراكمة عليه، سيواجه حبساً مماثلاً في العام المقبل 2019.

ويقول الناطق باسم الشرطة في قطاع غزة، أيمن البطنيجي، إنّ عدد أوامر الحبس بسبب الذمم المالية والديون في العام 2017 بلغت 98.314 أمراً.

وأوضح البطنيجي ارتفاع عدد الموقوفين في السجون العام الماضي بنسبة 20% مقارنة بالعام الذي سبقه، إذ بلغ عدد هؤلاء الموقوفين على خلفية قضايا مالية 42.525 وهو ما يعادل 38% من إجمالي الموقوفين،
 وفي حال كان هناك عملية نصب واحتيال فإن المادة رقم 1 من قانون رقم (5) لسنة 2014م المعدل لقانون العقوبات رقم (74) لسنة 1936 تنص على ما يأتي "كل من حصل من شخص آخر على شيء قابل للسرقة أو حمل شخصاً على أن يسلم شيئاً قابلاً للسرقة إلى شخص آخر متوسلاً إلى ذلك بأية وسيلة من وسائل النصب والغش وبقصد الاحتيال، يعتبر أنه ارتكب جناية ويعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات وبغرامة لا تزيد على عشرين ألف دينار أردني أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً أو بكلتا العقوبتين معاً، وفي حالة العود تضاعف العقوبة.

السيارات ملاذ التجار
ولا تقف القروض الاستهلاكية أو "التكييش" على المستهلكين، بل أصبح التجار يلجؤون لطرق مماثلة للحصول على المال، إذ يقول التاجر أحمد زياد، إن شراء سيارات بوساطة الكمبيالات بات ملاذ التجار شبه الوحيد لتأجيل أزمتهم المالية، وتوفير السيولة النقدية، فبعض التجار يلجؤون لشراء سيارات حديثة يصل ثمنها إلى 20 ألف دولار أميركي بوساطة شيكات بنكية، أو كمبيالات، يسددون قيمتها على مدة طويلة، ويسارعون ببيعها بخسارة تتراوح ما بين 20-35%، بهدف الحصول على المال السريع من أجل تغطية قيمة شيكات بنكية، أو دفع قيمة أقساط لبضائع اشتروها، وهذا كله كي لا تتأثر سمعتهم، لأن رجوع أي شيك لتاجر يصيبه بضرر بالغ.

لكن زياد أكد أن ملاك معارض السيارات تنبهوا لذلك، ووضعوا قيوداً على بيع السيارات، لأن الكثير من التجار لم يتمكنوا من سداد الأقساط في مواعيدها، واضطروا للجوء للمحاكم لتحصيل أموالهم.

من جانبه، أوضح الدكتور معين رجب، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة الأزهر بغزة، أن الشخص هو المسؤول بشكل مباشر عن إيقاع نفسه وأسرته في مثل هذا المأزق، من خلال عدم تقديره للأمور، بحيث يتعجل شراء الأجهزة، ما يوقعه في التزامات تفوق قدراته المالية.

ونوه رجب إلى أن لمثل هذه السلوكيات في حال اتسعت أضراراً كبيرة، الأولى على الموظف، الذي ينشغل في البحث عن مصادر رزق أخرى لتغطية عجز النفقات.

أما التأثير الآخر فهو على الأسواق، فمن المؤكد أن الموظف سيقلل النفقات، وبالتالي سيخلق حالة من الركود الاقتصادي، ناهيك عما ينتج عن ذلك من حرق للأسعار وأضرارها الاقتصادية. 

Ad