Ad
مقال-ضد إسقاط الضمان الاجتماعي!
بتاريخ 2018-12-4- تاريخ التحديث الأخير 2018-12-4
newsGallery-15439099609651.jpeg

جانب من الفعاليات الشعبية الاحتجاجية على القانون-تصوير وكالات

بقلم: مصطفى شحادة ومهند عبد الحميد
يحتدم الخلاف حول الضمان الاجتماعي بين الرافضين لوجود القانون والمؤسسة جملةً وتفصيلاً وبين الذين يريدون تمرير القانون بأسرع وقت ممكن، وبين الذين يريدون القانون والمؤسسة بمواصفات تلبي مصلحة العاملين وقابلة للتطوير. الطرف الذي يرفض القانون والمؤسسة يعبر حقيقة عن مصالح أرباب العمل الذين لا يرغبون بوجود ضمان يلزمهم أولاً بالحد الأدنى للأجور القابل للزيادة، وبالمساهمة بنسبة 7% كحد أدنى من الأموال التي تغذي الصندوق. يريدون أرباحا بدون أعباء. ويوجد نسبة من العاملين في القطاع الخاص -شريحة عليا - لها مصلحة في عدم وجود ضمان. ويوجد نسبة من العاملين لا تثق بالحكومة كشريك وضامن وهم مترددون. لكن مصلحة السواد الأعظم  من العاملين مع وجود مؤسسة وقانون وصندوق للضمان. الاحتجاجات تجسد التحالف بين أرباب العمل والفئة العليا من موظفي القطاع الخاص، واستمرار التردد يعكس ضعف النقابات والتنظيمات السياسية.
على ضوء ما يحدث ارتأينا، صديقي مصطفى شحادة وأنا أن نكتب مقالاً مشتركاً حول الضمان.
 الضمان الاجتماعي هو حقٌ أساسي من حقوق الانسان، وفقاً للإعلان العالمي لحقوق الانسان، الذي نص في المادة 22 منه، أن «كل فرد باعتباره عضواً في المجتمع له الحق في الضمان الاجتماعي». والضمان نصت عليه مواثيق دولية وقعت عليها دولة فلسطين، وهي ملزمة لها، ولا تستطيع أن تتهرب من التزاماتها التي يفرضها القانون الدولي. والضمان حق دستوري لكل فلسطيني، بموجب المادة 22 من القانون الأساسي، التي تُلزم السلطة بإصدار قانون لتنظيم الضمان، بل ان عدم إصداره يعد تقصيراً وإهداراً لحق دستوري يستوجب المساءلة. وإذا كان بضعة آلاف من العاملين المدعومين من شركات رأسمالية يطالبون بإسقاط الضمان الاجتماعي غير مكترثين لآثار ذلك على المجتمع الفلسطيني، فهناك أكثر من مليون عامل ليس من مصلحتهم إسقاط حقهم الدستوري بوجود ضمان يؤمن لهم الامان والحماية الاجتماعية التي يحتاجونها في مواجهة مخاطر الحياة.
القانون أثار جدلاً واسعاً بين الجمهور لأنه يمس مصالح الناس ومستوى المعيشة والأمان الاقتصادي، ما يؤكد أهمية الحوار المجتمعي بعقول مفتوحة. لذلك من الأهمية بمكان ان نفهم مبادئه وخصائصه وفلسفته وغاياته قبل فهم نصوصه وأحكامه التي قد تتغير مع الزمن، في ضوء الدراسات الاكتوارية التي تعمل على تصويب المركز المالي لصندوق الضمان لحفظ ديمومته وقدرته على الوفاء بالتزاماته.
فالضمان إلزامي لكل العاملين بأجر، وإدارته ثلاثية التكوين، ممثلون عن الحكومة وأصحاب العمل والعمال، وان يختار كل طرف ممثليه، ومن خصائصه ان ترعاه وتشرف عليه الدولة، وأن تكون ضامنة بحيث تكون مسؤولة عن سد عجز الصندوق في حال نشوئه، باعتبار الضمان الاجتماعي خدمة عامة ومن أولى واجبات الدولة نحو مواطنيها، ومن خصائصه أن أحكامه متغيرة مع الزمن في ضوء الدراسات الاكتوارية الدورية التي تستهدف فحص المركز المالي للصندوق وقدرته على تحقيق الاستدامة في تقديم المنافع.
والضمان الاجتماعي له معايير دولية معروفة في اتفاقية العمل الدولية رقم 102 بشأن المستويات الدنيا للحماية الاجتماعية، وهذه الاتفاقية هي أساس الضمان الاجتماعي على المستوى العالمي، وهي المرجعية التي ترتكز عليها كافة الدول في تطبيق منظومات الضمان الاجتماعي.
الضمان يقوم على معادلة الإنصاف مقابل الاستدامة، فالإنصاف يحقق عدالة اجتماعية وأماناً لكل المشتركين وخاصة للعاملين بأجر، حيث شرع القانون أساساً لحمايتهم، مقابل الاستدامة التي تعني استمرار منظومة الضمان ووفاء المؤسسة بالتزاماتها القانونية وتقديم خدماتها تجاه المنتفعين على مر الزمن، ولخمسين عاماً على أقل تقدير.
معادلة الاستدامة مقابل الإنصاف هي العنصر الأهم في الضمان الاجتماعي. ويرتبط التوازن الدقيق بين واردات النظام وأعبائه المالية من جهة وبين استدامة النظام مع الانصاف.
ويستمد الضمان قواعده من فكرة التكافل الاجتماعي، فلم يعد مقياسُ استحقاق الراتب التقاعدي هو ما يكون قد دفعه العامل خلال مدة خدمته وقدرته على العمل، بل وجود حاجة فعلية للحماية الاجتماعية، لذلك لم يعد الانتفاع من الضمان بصرف راتب العجز مثلاً متوقفاً على عدد اشتراكات العامل، ولا استحقاقات راتب الوفاة للورثة متوقفة على ما دفعه معيلهم من اشتراكات، فالعامل بمجرد الانضمام لمظلة الضمان سيكون مكفولاً في حالة العجز او الوفاة حتى لو دفع اشتراكاً واحداً فقط، وستتكفل مؤسسة الضمان بصرف راتبه التقاعدي طيلةَ حياته ولأسرته من بعده.
ومخطئ من يظن ان الضمان الاجتماعي صندوق ادخار، أو أن الورثة  المستحقين في الضمان الاجتماعي ينطبق عليهم وصف الورثة في مفهوم الشرع، او أن اشتراكاته ينطبق عليها مفهوم التركة والميراث حسب قانون الأحوال الشخصية. إن مقياس الاستحقاق بالنسبة للورثة المستحقين هو موضوع الإعالة، لذلك حصرهم القانون بالزوج الأرمل او الزوجة الأرملة وبالأبناء وبالوالدين، ومعاش المستحق يستمر طالما هو في حدود الإعالة.
إن نظام الضمان يساهم في إعادة توزيع الدخل بين الفئات المختلفة  ضمن منظومة قانونية، ولا يُبنى على مبدأ الربح والخسارة كالتأمين التجاري، ويُبنى على أساس مبدأ تحقيق المصلحة العامة للعاملين بشكل خاص وللمجتمع بشكل عام، وليس على أساس المصلحة الخاصة لكل موظف او عامل على حدة، وإلا كيف نفسر ان الصندوق يدفع للعامل الذي قد يصاب بالعجز او الوفاة مباشرة وحتى لو مضى على اشتراكه شهر واحد، ومن أين سيغطي معاشات تقاعد العجز والوفاة ومنحة الجنازة، والتي قد تصل الى مبالغ كبيرة جداً.
والضمان الاجتماعي له حدود في المنافع لا يستطيع تخطيها، فهو لا يستطيع تقديم كل المنافع او التأمينات دفعة واحدة، وانما يبدأ بالتدرج في تقديم المنافع، والقانون هنا بدأ بثلاث منافع هي تقاعد الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعيين، وتأمين إصابات العمل، والأمومة، على أمل أن يواصل لاحقاً تأمين المنافع الأخرى مثل البطالة والتأمين الصحي.
الضمان قد يشكل تكلفة للمنشآت الاقتصادية ولكنه في نفس الوقت استثمار في البشر، وسيكون له دور كبير في التنمية الاقتصادية، ويعتبر من أهم الركائز الاقتصادية للدولة، لأن صناديق الضمان قد تصل الى  مليارات والتي ستغذي شرايين الاقتصاد الوطني وفقاً لضوابط وقوانين مؤسسة الضمان. وهو من أهم الركائز الاجتماعية لأنه يوفر الحماية والأمان الاجتماعي، وهذا من شأنه أن يساهم في الاستقرار الاجتماعي والنفسي، حين يجد العامل من يتكفل به وبأسرته ويؤمن له دخلاً يضمن له العيش الكريم كحق دستوري، في مواجهة كافة المخاطر كالعجز عن الكسب. بقي القول نحن بحاجة للضمان كي نطور مواردنا ونصمد كشعب في مواجهة احتلال كولونيالي إقصائي.  

Ad